فلسفة الحياة والموت... بين نظرة المجتمع ورؤية علم النفس ‎#سالي_محمود ✑

 ‏فلسفة الحياة والموت... بين نظرة المجتمع ورؤية علم النفس

‎#سالي_محمود ✑

الموت هو الحقيقة الوحيدة التي يتساوى أمامها جميع البشر، ومع ذلك يبقى أكثر الحقائق التي نرفض الاعتراف بها. فما إن يصل خبر وفاة أحدهم حتى يتبدل إيقاع الحياة؛ تتوقف الأحاديث، وتخفت الضحكات، ويُعلَن الحداد، وكأن الموت لم يخطف إنسانًا واحدًا، بل انتزع الحياة من كل من بقي.

؛

لكن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: لماذا نموت؟ بل: كيف نستقبل الموت؟ وهل نعيش الفقد بطريقة تحفظ إنسانيتنا، أم بطريقة تجعلنا نفقد ما تبقى من الحياة؟

؛

ينظر المجتمع إلى الموت بوصفه نهاية مطلقة، فينشغل بمراسم الوداع، وطقوس العزاء، ومظاهر الحزن، حتى أصبح البكاء عند كثيرين مقياسًا للمحبة، وكأن قيمة الراحل تُقاس بكمية الدموع التي سُكبت عليه. وغالبًا ما يُحاصَر أهل الفقيد بتوقعات المجتمع، فيُطلب منهم أن يحزنوا بالطريقة التي اعتادها الناس، لا بالطريقة التي يحتاجها القلب.

؛

أما علم النفس، فينظر إلى الموت من زاوية مختلفة. فهو لا ينكر الألم، لكنه لا يجعله موطنًا دائمًا للإنسان. ويرى أن الحزن عملية نفسية طبيعية، تبدأ بالصدمة والإنكار، ثم الغضب، فالمساومة، فالحزن العميق، حتى يصل الإنسان – إن أُتيح له أن يتصالح مع فقده – إلى مرحلة التقبل. فالتعافي لا يعني نسيان الراحل، بل القدرة على مواصلة الحياة مع الاحتفاظ بمكانه في الذاكرة.

؛

ومن المفارقات أن المجتمع يلتف حول أهل الميت في الأيام الأولى، ثم ينصرف كل إلى حياته، بينما تبدأ المعركة الحقيقية بعد انفضاض الجميع. هناك، في صمت البيوت، يبدأ الاشتياق، وتكبر المسافات، ويصبح الغياب أكثر حضورًا من الحضور نفسه.

؛

لكن ثمة سؤالًا فلسفيًا آخر لا يقل أهمية: ماذا لو كان حزننا الطويل يسرق منا ما تبقى من الحياة؟

؛

كم من لحظة أهدرناها ونحن نرثي من رحل، بينما كان إلى جوارنا من يستحق أن نمنحه ابتسامة، أو كلمة حب، أو وقتًا من أعمارنا؟ من يدري... لعل تلك اللحظات التي دفناها تحت ركام الحزن كانت آخر فرصة لنعيشها مع شخص آخر سيصبح غدًا ذكرى جديدة. فنحن لا نعرف أي لقاء هو الأخير، ولا أي وداع سيحمل النهاية.

؛

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما نبكي من غاب، قد نكون نخسر بصمت من لا يزال حاضرًا. وكأن الموت لا يأخذ منا الراحلين فقط، بل يأخذ أيضًا ما نسمح للحزن أن يلتهمه من أعمارنا.

؛

إن الرضا بالموت لا يعني قسوة القلب، ولا انتقاصًا من مكانة الراحل، ولا دعوة إلى كبت الدموع. فالحزن فطرة، والدمع رحمة، والحنين وفاء. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزن من شعور طبيعي إلى إقامة دائمة داخل المقابر، بينما أجسادنا لا تزال تمشي بين الناس.

؛

لن يعيد البكاء ميتًا إلى الحياة، ولن يغيّر الاعتراض قدرًا كتبه الله، ولن يمنح الزمن فرصة أخرى لما مضى. وما دام الموت سنة إلهية لا يستثني أحدًا، فإن أجمل ما يواجه به الإنسان هذه الحقيقة هو الرضا بقضاء الله عز وجل، وهو من أعظم معاني الإيمان، ثم النهوض لإكمال الطريق من حيث توقفت الحياة، لا لأننا نسينا من رحل، بل لأن الحياة التي وهبنا الله إياها أمانة لا يجوز أن ندفنها مع الموتى.


إن الذين أحبونا حقًا، لو أتيح لهم أن يختاروا، لما تمنوا لنا عمرًا يذبل في الحزن، بل حياة تمتلئ بالخير، والدعاء لهم، واستكمال ما تركوه من أثر جميل.

؛

ولعل أعظم وفاء للراحلين ليس أن نجيد البكاء عليهم، بل أن نجيد الحياة بعدهم؛ أن نحمل ذكراهم نورًا لا قيدًا، ودافعًا لا جدارًا، وأن ندرك أن الموت لا يمنح الحياة معناها إلا لأنه يذكرنا بأنها محدودة.

؛

فالحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد القلوب التي أنرناها، والكلمات التي تركناها، واللحظات التي عشناها بصدق. وربما لهذا السبب، لا يكون السؤال الحقيقي: كم سنعيش؟ بل: كيف سنعيش قبل أن يحين موعد الرحيل؟

‎#مرافئ_الحنين 

‎#رسائل_لم_تصل



تعليقات

المشاركات الشائعة