وليد نجم / عرش القمر
عرش القمر
قصّة قصيرة
(وليد نجم)
في الليل ، و الصّيف يرسم على صفحة الأديم لوحة الصّمت الصّارخ، و هناك على ضفاف النّهر عند أطراف تلك القرية النّائية... كنت أسري مع أحلامي. بي رغبة بأن أجوب البساتين القريبة من النّهر، غير آبهٍ برهبة المكان، و غير مكترث لسرعة الزّمان.
و قد يكون عشقي للطّبيعة، وسحر ليالي الصّيف في تلك البقعة الخلّابة قد زرعا في أعماق ذاتي شجاعة لم أعهدها من قبل.
حفيف عمالقة أشجار الحور من حولي يدعوني لأكون منصتاً كأنّني من المصلّين الخاشعين، و أشعّة ضوء القمر المتسلّلة من بين أوراقها تدعوني لأكون متأمّلاً كأنّني من الشّعراء الملهمين.
ها أنا أسري، أتسابق والليلَ، والليلُ يتسابق و إيايَ. وألوان الليل تتنوّعُ، وخطوطه تتوزّعُ. وفجأة تناهى إلى مسمعي صوت قادم من البيوتات المنتشرة في القرية سمّرني في مكاني. لا يزال الصّوت بعيداً. ساعات قلائل و يبزغ فجر نهار جديد. تُرى مَن المستغيث في هذا الليل الهادئ؟ وما الخطب الّذي ألمّ بواحد من أبناء تلك القرية الهانئة؟
الصّوت يعلو و يقترب. أَبكاء استغاثة، أم صراخ وعويل؟ لم أستطع أن أحدّده. كلّ ما استطعت معرفته في تلك اللّحظات أن القرية استيقظت بأكملها، و أضيئت المصابيح الكهربائيّة، وتحوّل سكون الليل إلى جلبة و ضوضاء. و راحت الأصوات تتعالى من كلّ ناحية. وسمعت صوتاً جهوريّاً يمزّق أرجاء الفضاء، ويهزّ عواميد السّماء: "يا أبناء قرية "عرش القمر"، المجنون المجنون. قد هرب المجنون من غرفته في بيت أبيه، تنبّهوا و كونوا متيقّظين إنّه خطير، لا تدعوا أطفالكم يخرجون. تذكّروا في المرّة السّابقة... ولا نعلم ما قد يحدث اليوم".
عكّر هذا الكلام الجارح صفاء ذهني. و سألت نفسي: " بأيّ حقّ يحكم الإنسان على أخيه الإنسان إن كان مجنوناً أو عاقلاً؟". ومن غير قصد منّي قرّرت أن ألاحق الأمر إلى نهايته و أضع حدّاً لهذه القصّة و تمنّيت لو أنّني ألتقي ذلك المجنون الّذي أَرْعَبَ"عرش القمر".
تابعت طريقي. الجلبة تزداد، و أولى ساعات الغسق قد أقبلت. وصلت إلى مكان تلفّه شجرة وارفة، و سمعت حشرجة متألّم. توقّفت. أنصتت. أمعنت. رأيت شبه إنسان هزيل يقتعد صخرة ملساء تحت الشّجرة، ويبكي بكاء خافتاً. تقدّمت منه بخُطىً ثابتة غير آبه بكلّ ما سمعته، و عرفت أنّه مجنون "عرش القمر" .
كانت جيوش الظّلام بدأت تندحر أمام جيوش النّور، و تنسحب آخر فلولها لتعاود انتشارها من جديد عندما ينتهي النّهار.
وقفت قربه مربّتاً على كتفه، و سألته بحنوّ: "من أنت ؟".
حدّق بي مليًّا. تابع بكاءه. لم يتفوّه بكلمة.
سألته ثانية ، وبلهجة أكثر حنوًّا من قبل: "ممن أنت هارب إلى هنا؟".
وكما في المرّة الأولى، لم ألق جواباً غير الحشرجة و البكاء.
لم أيأس سألته للمرّة الثالثة، وقد طعّمت لهجتي بكلّ الحنان المتوفّر في قلبي:
" لم أنت تبكي؟".
وهنا انتفض واقفاً و نظر إليّ، مسح دموعه وقال: "أنا أنت، و أنت أنا، أنا مثلك و أنت مثلي، أنا هارب إلى هنا تماماً كما هربت أنتَ، و أنا أبكي بألم تماماً كما تبكي أنت. و أبناء "عرش القمر" يبحثون عنّي و يتّهمونني بالجنون. ما الّذي فعلته كي يهرب الجميع منّي؟ يخافون أفكاري. يخافون أفكاري ويتّهمونني بالجنون. و أنت، أنت أنا. أنت هارب إلى هنا لأنّك أنا".
وعندما تكلّم المجنون، تذكّرت ما سمعته في ساعات الليل الّذي اضمحلّ وسألته، ولكن هذه المرّة بشيء من القسوة و التّأنيب: "وما الّذي فعلته في المرّة السّابقة عند هروبك من بيت أبيك كي يحذرك كلّ واحد في "عرش القمر"؟ ".
قهقه المجنون بكلّ ما في كيانه من جنون، وراح يصفّق ويولول. شعرت أنّني فعلاً أمام مجنون خطير وحاولت أن أهرب ، لكنّه كان أسرع منّي و صرخ من عمق أعماقه: "ألم أقل لك أنّك أنت أنا وأنا أنت كلّ الّذي فعلته أنّني هربت ولم أواجه وأنت أيضاً هربت إلى هذا المكان والآن تحاول الهروب مجدّداً. لا، لا تكن مجنوناً ولا جباناً واجه ثمّ
واجه ثمّ واجه".



تعليقات
إرسال تعليق