فلستيا/اسماعيل رمضان
"فلستيا"
على حواف السيل بيديه، والحجارة والأغصان التي يجرفها تيار الماء الجاري ترتطم بساقيه وصدره، وأحدثت فيه جروح ورضوض، وما زال الشاب متمسكاً بالجذور التي تبقيه حياً دون غرق، كان يقاوم ضد الجريان، ويدفع عن نفسه الموت غرقا، متشبثا بالحياة بانتظار اعتدال القدر وتحسن مزاجه.
في هذه اللحظة شاهد (شوقي الشيخ) وهو على فرسه ليقترب منه، ولم يعد يفصله عنه سوى مقدار ذراع، نظر الشاب القوي الفقير إلى (شوقي) وبرق في عينيه أمل، ولاحت أمامه فرصة النجاة، صرخ مستغيثاً أن ينقذه ويمد له يد وذراع المساعدة، تقلصت ملامح وجه (شوقي) وارتسمت عليه قسوة وفضول شهواني أن يشاهد الموت مباشرة يخطف رجلاً يقاوم، وخطر في باله ألا يفوت تلك اللحظة الثمينة التي لا تتكرر، فهو لا يشاهد الموت كل يوم، ولم يعد يرضيه موت العجائز على فراشهم، يشتهي نزاعًا وصراعًا كصراع السماء بعيونها وصراخها وغضبها، يريد مشاهدة الموت ينتزع الحياة، يريد أن يلمس الموت، وربما يحتضنه بيديه، فعندما يمسك بك الموت تفقد الحياة، وعندما تمسك بالموت تدرك أنك حي.
بقي الرجل يصرخ ويستغيث، و(شوقي الشيخ) ينظر بصمت وعمق، دون أن يرمش له جفن، أو يحرك ساكناً، وكان يكفي أن يمد ذراعه ليلتقط الرجل، لكن حياة البعض لا تساوي للبعض الآخر أكثر من لحظة فضول، أو شهوة غامضة، أو سوء تفاهم داخل لحظة ملتبسة، فمعظم تفاصيل حياة البشر فيها سوء فهم للحظة، وكثير من تناقضاتها.
الرجل الشاب الذي خارت قواه وقدرة المقاومة لديه، ولربما أضعفها أكثر موقف شوقي المتفرج، فقد قضى سلوكه على كل أمل لديه بالنجاة، فرض عليه السيل أن يترك نفسه له، فهو أقل قسوة من شوقي، وعيونه تنظر إلى شوقي الذي بدوره لا يحيد عنه ويتابعه بدقة، ويقول لنفسه أخذه السيل في سنة ليس فيها مطر.
أما الرجل الشاب وكان اسمُه (عودة) قد كان يرغب بكثير من الأمور، كان له أحلامٌ واسعة، حلم بالسعادة، لقمة العيش، الابتسام للآخرين، المواصلات، والقطار الذي يسافر للبعيد، لكنه مات دون أن يَفهمَ أحد كيف ولماذا مات، كان (عودة) نديًّا ويخجل من عدم التوضيح والملامة، لذلك كان لديه قرار أن يعود من موته ليشرح للأحياء كل ما يتعلق بموته لكنه مات.
حتى لا يقال كان فوضويًّا في حياته، لم يمت بكياسة وفاجأ الأصدقاء بموته، برنامجهم لم يكن يتسع لهكذا موت بلا تنسيق، لم يعتذر لكنه مات، يعاتبون الميت على ما فعله وما لم يفعله، هو ميت لا يطابق المواصفات والمقاييس، لربما لم يمت لو كان كما لم يكن، فلقد مات وهو يحاول إنقاذ أغنام مخدومه من الغرق في السيل، ولقد أنقذها فعلاً ولكنه مات.
ذهب إلى الراحة الأبدية التي لا يُريدها، فإذا لم تحْيَ وأنت حيٌّ فهل ستحيا وأنت ميت؟ لقد أخذوا منه كل الوقت في حياته، لم يعد لديه زمن ليفكر يتأمل أو يندم لقد مات، لقد قتلوه، لو عاد له بعض الوقت لندم أنه لم يقتلهم أولاً، لكنه مات.
رغم أن هذا الكون لا يشعر بالمرح يقض مضجعه آلام البشر، يتوسع في المكان ولا يبتسم، زمن عَبُوس.
فالموت الفردي ليس له قيمة كافية، بعكس الموت الجماعي كمذبحة أو إبادة، فإنها تغير التاريخ، هل تعرف فلان؟ أعرفه لكنه مات.
يتحدث البعض عن الموت والراحة الأبدية بيقين، من منكم كان هناك وعاد؟ لست أدري إن كان لدى الأموات راحه أبدية، هل تعلم كيف يكون شعور ميت لم ينتبه أحد لحياته، كم كانت مليئة بالموت اليومي؟ عندما مات وحصلت (الراحة الأبدية) لم يعجب البعض أنه مات في توقيت غير مريح، لكنه مات.
لم يتسنَّ له أن يختار أين وكيف يموت، لم يخترْ أيضاً أين وكيف يحيا، وبعد أن مات لاموه أنه مات فجأة دون تنسيق، عتاب المحبين! ولكنه مات.
أما شوقي الشيخ فلقد بصق في السيل قائلاً: تفو! ومشاعر الغيرة والحسد تملأ قلبه، أَكُلُّ هذا الغضب الكوني لكي يموت هذا الخادم الحقير،
"اسماعيل رمضان"



تعليقات
إرسال تعليق