قراءة نقدية /قاسم عبد العزيز
قراءة نقدية في قصيدة نثرية للشاعر "قاسم عبد. العزيز الدوسري".
هي قصيدة وجدانية دون عنوان، والأمر متعمد لأن كل كلمة أو مركب يصلح أن يكون لها عنواناً، فتغييب العنوان في قصيدة النثر وارد ومحبذ لغاية التشويق والتكيف.
وقد عجت القصيدة بحقلين معجميّين متقابلين الأوّل للْين والحبّ والتّواصل ماضياً، والثاني للقسوة والكره والقطيعة حاضراً.
وقد راوح الشّاعر بين أسلوبي الإنشاء والخبر بما يحقّقانه من إثبات حالة، أو طلب باستفهام، أو أمر، أو نهي...
يستهل الشاعر القصيدة بالإنشاء الطلبي، باستفهام عن مضمون الجملة "هل ارتكبت تجاهك ذنباً كبيراً لا يغفر، ام ارتكبت خطيئة؟ وغاية الاستفهام طلب تعيين احد الأمرين: "الذنب أو الخطيئة"، وتكرار "ارتكبت" كفعل محتمل انقضاؤه في الزمان الماضي لو اقترن بجواب مثبت ب "نعم" من المتلقية المعنية بالاستفهام.
لكن الشاعر لا ينتظر جواباً، بل إنه سيعلل استفهامه ليكون إنكارياً ومحفزاَ للإخبار بحقائق قد تكون في حيز العتمة عند الحبيبة، بيد أن غموض كلمة "أطر" حالت دون تصنيف ثقل الخطيئة.
وبجملة اسمية المبتدا فيها "أنا" والخبر منفي "لا أهوى التقرب إليك" يكاد المتلقي يصدم في هذا الحبيب المتذبذب لولا "الحال" الذي يتبرأ منه الشاعر "تزويق الكلام وبعض أنواع المكر" ليثبت حالة عاشق بخبر مثبت فعله منقض "حاولت أن أعطيك. قلبي" استعداد للتضحية التي تصبح مستحيلة بالاستدراك لتعذر تحقق الفعل بذكر السبب المانع "من شدة الضرب انفطر"، والضرب معنوي نتيجة الصدمات والمعاناة الشديدة، ليعود الشاعر إلى الإنشاء والاستفهام مستعطفاً "هل تسمحين لي أن أكون حبيبك"، طلب كينونة في المستقبل بلين مع تعليل بنفاذ الصبر، وتشبيه الصبر بالدخان لوجه الشبه "الانتشار" كناية عن "النار" الحارقة في نفسية الشاعر، ليتدرج الشاعر إلى العتاب واللوم بالاستفهام عن السبب "مابال قلبك أصبح قاسيا؟" وأصبح ناسخ فعلي يفيد التحول، وفي ذلك مقارنة بين ماض جميل بقلب لين حبيب، وحاضر سمته القسوة.
والمتصفح للقصيدة يقف على ظاهرة تكرار كلمة "قلب" التي تكررت في الخمسة أسطر التي تتوسّط القصيدة خمس مرات، في جناس تام أو غير تام، فورد معرفاً بالإضافة إلى الضمير المتصل "ك" ثلاث مرات، ومرة نكرة موصوفة "قلباً حجر" ثم لتتوقف الهجمة على القلب بالحكمة أو القاعدة المطلقة الصالحة لكل زمان ومكان، وهنا فقط ورد "القلب" معرفاً بالألف واللام للتعميم والإطلاق، ليكون قلبها الحجر استثناء شاذاً مرذولاً، خاصة بعد وثيق الصلة بين التحجر والكفر، وكان في ذلك تناص مع النص القرآني الداعي إلى "التسامح واللين"، ليجعل للحب والوصل قداسة.
والشاعر وإن حاول أن يليّن قلب الحبيبة، إلا أنه وفي حركة تصعيدية مفاجئة يمرّ إلى الأمر" هات "مع ضرورة البقاء على ياء المؤنث المخاطب "رسائلي كلها" والمطلوب مركب توكيدي، وهي براهين الحب والوداد في زمن مضى، ليردف الأمر بالنهي الصريح "لا تتركي بعض الأثر"، وهو إصرار على اجتثاث كل أثر لهذا التصافي في الماضي، والجمع لما هو مستبعد "حتى القصائد.... كانت محطات سفر"، واعتبار هذه التجربة الغرامية العاطفية رحلة، فالشاعر غريب تائه له شبه ب "الغريب" لألبير كامي ، l'étranger "Albert camus لكنها غربة وجدانية وليست وجودية.
والشاعر يستعمل النداء "يا من لعبت بمشاعري.." اتهام مباشر مع المقارنة بين وضعيْتين متقابلتين "لعبت.... وانا سهرت أعد النجوم" قوة الهيام والتوتر، وكثرة السهر "فيقول "خذلني هذا الوضع" منا أفقد الشاعر صوابه لتنغلق القصيدة على طباق تام في: "بشراك "و" الحزن" نتيجة انتحار قلب الشاعر الذي لم يذكر في القصيدة إلا مرتين حين كان مشروع تبرع، وفي آخر القصيدة عندما انتحر جراء الحزن.
قصيدة وجدانية غلب عليها الألم والشكوى في عتاب ولوم حبيبة قطعت حبل الوداد الذي لم يكن إلا لعبة بها تتسلى حسب الشاعر طبعاً.
وقد حاول الشاعر الإبقاء على القافية لإحداث إيقاع يتماشى مع التفجع والتأزم النفسي للشاعر، وهذا ما قد يعيبها لو اعتبرناها قصيدة نثر، إضافة إلى نقص الصور الشعرية المجذرة للحدث. والقصيدة أقرب زلى قصة قصيرة لخصومة بين حبيبين فقدا حبل الوداد.
السؤال الذي يطرحه المتلقي ويظل جوابه معلقاً، بعد هذا اللوم والاتهام والأمر والنهي، هل سيتجدد الوصال مع الحبيبة المتنكرة، أم إن القصيدة كانت رسالة وداع حاسمة؟
حبيبة محرزي.
تونس
.هل ارتكبت تجاهكِ ذنباً كبيراً لايغتفر
أم ارتكبت خطيئة في حجمها شيء أطر
أنا لا أهوى التقرب إليكِ
بتزويق الكلام
وبعض أنواع المَكَر
حاولت أن أعطيك قلبي
لكنه من شدة الضرب انفطر
هل تسمحين لي أن أكون حبيبكِ
ماعدت أحتمل البعاد
والصبر ينفذُ كالدخانِ
إذا انتشر
مابال قلبكِ أصبح قاسياً
هل تعلمين حجم قساوة قلبكِ
هل أصبح قلباً حجر
لا تتركي قلبكِ لايستقي الحب الجميل
فالقلب إذا تحجرت أبوابه فقد كفر
هاتِ رسائلي كلها
لا تتركي بعض الأثر
حتى القصائد التي
نظمتها
كانت محطات سفر
يا من لعبت بمشاعري
وأنا الذي سهرت ليلي كالقمر
جلست أحسب في النجوم
لكنني أخطأت في العدِ
وخذلني السهر
بشراكِ يا من كنت قبل اليوم أنتِ حبيبتي
قلبي من الحزن انتحر.
قاسم عبد العزيز الدوسري.
العراق.


تعليقات
إرسال تعليق