اشرف بدير
من كتابي: محطات إنسانية
رفيقة العمر ...
جلس بين ابنتيه" نهال ومرام"، يحكي لهما عن والدتهما، رفيقة العمر، وقال:
" كانت ترقد على فراش المرض تسري عني، فتقسو على نفسها كي تخرج كلماتها دون ألم، لتجعلني أبتسم حين تجدني حزينا عليها.
كانت تذكرني بأيام خطبتنا، وقتما كنا نهرب من حرارة الطقس، فكنا نفترش الأرض ونجلس تحت شجرة الكافور العملاقة خلف منزلها، فتهفهف علينا نسائم العليل، فنغفوا للحظات، ثم نفيق فزعاً على صوت والدها ينادينا بصوت عال: أين اختفيتما يا صعاليك؟ إظهرا في الحال أفضل لكما، فتتعالى أصوات ضحكاتنا، حتى يسمعنا فيضحك هو كذلك..
ثم تذكرني بيوم زفافنا عندما تراقصنا على أنغام موسيقى أغنية عبدالحليم "جانا الهوى" حتى تناسينا الحاضرين من حولنا فاحتضنت خصرها، ولم نشعر بأنفسنا إلا مع تعالي صيحات وتصفيق الحضور، فانتبهنا وتباعدنا في خجل شديد..
كذا تذكرني: وقتما أنجبنا ابنتنا الأولى، عندما أصرت جدتي العجوز أن تسميتها بإسمها القديم جداً "إعتدال" وبعد عناء منا وافقت أن نسميها بأقرب إسم لها "نهال" وكم أضحكتنا جدتي في تلك الليلة كثيراً ..
ثم ..ثم.. خارت قواها وهي تحدثني، ولم تعد تقوى على إخفاء دموعها أو آلامها، وهي تحثني وتستحلفني بالله، ألا أضعف لحظة من بعدها أمام ابنتينا، كي تواجها قسوة الحياة بغير أم .
كيف يا حبيبتي، كيف توهمت للحظة واحدة، أني أقوى على الحياة من بعدك؟! كيف لاح بخاطرك أنني لم أكن أتألم لألمك؟! بل كنت أموت كل يوم مرات ومرات، تحت قدميك، كيف يمكنني _وبعد ثلاث سنوات من فراقك_ أن أخلد إلى النوم قبل أن أجلس إليك، وأحكي لك رحلة يومي، وأسمع لعذب صوتك، كيف يمكنني العيش إلا على ذكراك؟! كيف أغمض عيني، وأنت الآن ترقدين هناك بعيدة عني، في عالم تيه لا أعلم مداه، تحت تراب لا أدري كيف يطيب لك ثراه ؟؟!
عزاؤنا يا حبيبتي: أنك الآن في حضرة وجوار ورحمة ا
لإله ..



تعليقات
إرسال تعليق